على بالي

الحديث عن فلسطين في الغرب لم يكن يوماً سهلاً، فهو أصعبُ على العربي منه على غيره. لكنْ لماذا لا نُعطي بعض اللّبنانيّين الشجعان في الغرب حقَّهم؟
في الوقت الذي كان هناك غيابُ وعي (خارج فلسطين) عن الخطر الصهيوني، كان هناك أفراد من لبنان ينطِقون بالحقّ الفلسطيني رغم صعوبة المهمّة. أمين الريحاني واحدٌ من هؤلاء. لم يأخذ الرجل حقَّه لأنّ الكنيسة كانت غاضبة عليه. فؤاد أفرام البستاني وصحبُه في مجلّة «المشرق» الاستشراقيّة الإسلاموفوبيّة أطلقوا عليه تشنيعاً لقب «محمد أمين الريحاني» (لأنّه لم يشاطرهم تعصّبهم).
وفي الوقت الذي لا يزال فيه المثقّفون في بلادنا يطلبون بَركةَ رأس السلطة الدينيّة في طائفتهم ورضاها (حتى العلماني نوّاف سلام زار مفتي الجمهوريّة)، فإنّ الريحاني لم يتملّق يوماً للبطريرك.
وعندما زاره بعد قطيعة في عام 1932، وقف في حضرته مهاجماً الاستعمار الفرنسي من صالون بكركي. نهرَه البطريرك عريضة يومها قائلاً: «إنّي فهمتُ ممّا وردَ في خطابكم من إشارة إلى الأجنبي أنّكم تقصدون الفرنسيّين، بَيْدَ أنّ الفرنسيّين كانوا ولا يزالون أصحابنا وقد خدموا لبنان خدمات جليلة ونفعونا نفعاً جزيلاً» («المعرض»، يناير، 1932). والريحاني كان عروبياً يلهج بحَمد الحضارة العربيّة الإسلاميّة من قلب نيويورك، وفي العشرينيّات من القرن الماضي.
عدتُ إلى ما كتَبه الريحاني في «نيويورك تايمز» في العشرينيّات فوجدتُ كاتباً شجاعاً لم يكن مصاباً بعقدة الرجل الأبيض. جبران كان دوماً يسعى إلى الحصول على رضى الغربيّين البِيض، واختلق لنفسه سيرة ذاتيّة وأوهم بعضهم أنّه أمير هندي.
الريحاني كان مُشبعاً بالعروبة ويتحدّث عن المسلمين من باب الأُخوّة في الرابطة القوميّة. وهو وعى مبكّراً خطرَ وعْد بلفور وطالب بإلغائه كحلّ للقضيّة الفلسطينيّة. وسعى إلى توعية الجمهور الأميركي لخديعة البريطانيّين في الحرب العالمية الأولى.
بعض كُتّاب الرابطة القلميّة انتقدوا الغرب بالعربيّة، لكنّ الريحاني كان وحيداً في مجاهرته بنقْد الصهيونيّة بالإنكليزيّة من نيويورك (لن يزعج الغربَ قَولُ جبران في النبي «أولادكم ليسوا لكم» مثلاً). فيليب حتّي حمل الشعلة بعد الريحاني وكانت مواقفه شجاعة أيضاً. يجب إدراجهما في المنهاج الدراسي.
